البنزين بالقطارة.. ومشهد الطوابير أمام المحطات عاد بقوة

«البنزين بالقطارة، وزمن الأول تحول.. علينا الاعتياد على زمن القلة». العبارة لطبيب الأسنان شارل الحاج أحد الشركاء العائليين لمحطة للوقود في منطقة الجديدة (قضاء المتن الشمالي) على المدخل الشرقي للعاصمة بيروت.

ومن يريد تعبئة خزان سيارته بالوقود، عليه القيام بذلك على مراحل في العاصمة اللبنانية ومحيطها، ذلك ان المحطات تلبي طلبات الزبائن بنسبة لا تتخطى العشر ليترات (نصف صفيحة). وفي حين يختلف الأمر في مناطق الأطراف في الجنوب والبقاع والشمال، حيث تغيب المادة وترفع غالبية المحطات خراطيمها، لكن لا يشعر سكان المناطق المنتشرة من ساحل كسروان الى مدخل الشمال وصولا الى شكا (قضاء البترون وتقع بعد نفق حامات لجهة طرابلس) بالأزمة، ذلك ان المحطات كثيرة وتنتشر كالفطر، وتلبي حاجات الزبائن دون تقنين قاس.

ويقول احد العمال الأجانب في إحدى المحطات: «مادة البنزين ليست مقطوعة، لكنها غير متوافرة». والطوابير تظهر بوضوح أمام المحطات، والسبب عدم قدرة الشركات على تلبية حاجة المحطات بكميات وفيرة أسوة بما كان يحصل سابقا، ويعود ذلك إلى تأخر مصرف لبنان في فتح الاعتمادات المخصصة لاستيراد المحروقات بالدولار الأميركي، والتي تصل إلى 85%، في مقابل تأمين الشركات المستوردة بقية المبلغ من «السوق السوداء».

الأزمة انتقلت الى صفوف أمامية، وشكل المواطنون، كالعادة، متاريسها وأكياس رمل تتقاذفها الشركات المستوردة ومحطات التوزيع مع الحكومة اللبنانية الممثلة بالمصرف المركزي. والأخير يوارب في تطبيق ترشيد الدعم للمواد الغذائية وتعرفة الكهرباء والمحروقات. وبذلك انضمت مادة البنزين إلى المواد الغذائية المدعومة التي يندر وجودها في رفوف السوبر ماركت، من دون ان يبلغ الحصول على البنزين حد الاشتباك بالأيدي وسقوط جرحى، أسوة بما بدأ يحصل على نطاق واسع في الأسواق للحصول على مواد مدعومة، وخصوصا الزيوت النباتية.

أزمة البنزين هي إحدى علامات عدم الاستقرار في البلد، وتعيد الناس إلى أيام الحرب، حيث عانوا من فقدان المادة، وانتظموا في «طوابير الذل» التي شهدت لاحقا أعمال شغب وسقوط ضحايا على خلفية «الأفضليات».

الأمر اليوم أقل من أعمال الشغب، لكن الاحتقان يبدو واضحا، مع ارتفاع الطلب من المواطنين على مادة حيوية، تدخل في يومياتهم وفي صلب أعمالهم، في غياب تنظيم قطاع النقل العام في لبنان.

ولا يختلف اثنان على التحذير من خطورة تخزين مواد تتصل بالمشتقات النفطية، وخصوصا مادة البنزين التي تتبخر ولا تصلح للتخزين طويلا حتى في المحطات، فضلا عن تشكيلها خطرا داهما واعتبارها بمنزلة «قنابل موقوتة»، حيث يتم تخزينها. هذا الأمر يقر به ربيع عبدالله، وهو يلجأ إليه اضطراريا لتأمين الوقود لعمال تنظيف الزجاج العاملين في شركته، والذين يتنقلون عبر دراجات نارية صغيرة. ويشير الى ان التأخير على الزبائن يؤدي إلى خسارتهم، «في وقت نعاني فيه من فقدان مجموعة لا بأس بها جراء إقفال العديد من المحال والمؤسسات التجارية، وقيامنا بخفض أسعار خدماتنا التي تعتبر زهيدة أساسا، وباتت تكفي لتسديد رواتب العمال الأجانب. إلا اننا نتمسك بالأمل سعيا للبقاء والحفاظ على مهنة شكلت وسيلة لتأمين عيشنا وغيرنا من الأسر».

أصحاب مصالح صغيرة أقدموا على خطوة مماثلة للتي اتخذها ربيع، وهم يجمعون على عبور ما يسمونه «مرحلة انتقالية»، من دون إخفاء خشيتهم من تحول الأمر «لأزمة يومية».

لا شيء يوحي بانفراج في تأمين مادة البنزين، وعودة أيام الترف أمام المواطنين في اختيار محطة الوقود التي يرتاحون إليها لتعبئة خزانات سياراتهم، واختيار التوقيت الذي يرونه مناسبا لتعبئة الخزانات بعد التخلص من كمية كبيرة من الوقود، لرفد سياراتهم بمادة جديدة بعد تنظيفها من ترسبات قد تعلق في خزاناتها.

كذلك لابد من الإشارة الى توقيت جديد خاص بتعبئة الوقود بين الساعة الثامنة صباحا وقبل الرابعة بعد الظهر، ذلك ان غالبية المحطات تقفل عصرا تفاديا لنفاد الكمية لديها، وتوفيرا لمصاريف تبدأ بالكهرباء وخدمة المولد وصولا إلى إيجار العمال. ولم يعد سرا ان ظهر السبت من كل أسبوع يشكل ساعات الذروة في إقبال الزبائن على المحطات، ذلك ان الإقفال يسود في شكل كبير في أيام الآحاد، والتي تسبق بدورها بداية الأسبوع، تاريخ صدور جدول تركيب الأسعار الخاصة بالمواد النفطية عن وزارة الطاقة اللبنانية – المديرية العامة للنفط. وهذا يشكل حافزا لأصحاب المحطات لتحقيق مزيد من الأرباح جراء فارق ارتفاع الأسعار أسبوعيا، فيلجأون الى إقفال محطاتهم.

البنزين بات ترفا، وتأمينه بات حديث اليوميات، وعامل قلق يقض مضجع الناس ويؤرقهم، مع خشيتهم تفاقم الوضع، واعتبارهم ان المسألة لا تتعدى الوقت القليل. في حين أن الانفراج يحتاج وقتا طويلا، ربما لن يأتي في المدى المنظور.

الانباء – جويل رياشي

هذا الخبر البنزين بالقطارة.. ومشهد الطوابير أمام المحطات عاد بقوة ظهر أولاً في Cedar News.

,