محمد حسين يعقوب: شهادة الداعية المصري أمام المحكمة تثير الجدل

امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام في مصر بتساؤلات ساخرة ومستنكرة حينا وداعمة حينا بعد مثول أحد أبرز دعاة السلفية في مصر، محمد حسين يعقوب، أمام المحكمة للإدلاء بشهادته في قضية اتهم فيها 12 شخصا بالتورط في عدة هجمات استهدفت رجال الأمن بمحافظة القاهرة الكبرى، وباتت معروفة إعلامية بقضية “داعش امبابة”.

وقال بعض المتهمين إنهم تأثروا بأفكار مجموعة من شيوخ الدعوة السلفية، من بينهم يعقوب.

وقد جلبت شهادته له سيلا من الانتقادات. واتهمه بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي، من اتجاهات فكرية مختلفة، بالتنصل من نشاطه الدعوي، الذي بدأ مع نهاية السبعينيات، بدافع الخوف من أجهزة الدولة التي لم تعد ترحب بالتيارات الدينية. فيما دافع عنه بعض آخر متهمين بالمحكمة بمحاولة “التقليل من قدره”.

“أنا لا أفتي”

أمام المحكمة قال يعقوب ، الذي ظهر في قاعة المحكمة على كرسي متحرك، “أنا لا أفتي. وعندما يوجه لي سؤال، أقول اسألوا العلماء”. كما نفى أن يكون متخصصا في الفقه الإسلامي وقال إنه يحمل دبلوم دار المعلمين، وهي شهادة متوسطة تسمح لحاملها بالتدريس في المدارس الابتدائية فقط.

وأوضح أن ما يقوله هو اجتهادات شخصية بناء على قراءاته، مشيرا إلى أنه يخاطب “العوام” وليس طلبة العلم ولا الملتزمين.

وعلى مدار أكثر من ثلاثين عاما كان يعقوب يدلي بآرائه في مختلف شؤون الدين والدنيا تحريما وتحليلا. فمع بداية الثمانينيات، اجتذب يعقوب وغيره من شيوخ الدعوة السلفية، قطاعا عريضا من المصريين أصبح يتردد على المساجد التي يخطبون فيها. ولقيت شرائط الكاسيت التي تحمل دروسهم الدينية رواجا كبيرا. كما كان حضور شيوخ السلفية لافتا في القنوات التلفزيونية الفضائية، خاصة بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، حين صعدت تيارات الإسلام السياسي ونجح الرئيس السابق محمد مرسي، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، في حكم البلاد فيما بين عامي 2012 و2013.

نفوذ السلفيين

يرى الباحث في الشؤون الإسلامية، أحمد بان، أن السلفيين أسهموا “في تشكيل تيار اجتماعي يتبنى المنطق الوهابي في صورته البدوية، سواء على مستوى الطقوس أو الملابس أو نمط الحياة الاجتماعية.” وأضاف أن خطابهم الديني، الذي يتسم “بالترهيب والصراخ”، ابتعد عن الثقافة المصرية “التي تتميز بالتسامح”، كما أسهم في أن يصبح المجتمع “أكثر تشددا وتنكرا لقيم الحياة والتعايش والمواطنة، فضلا عن تكريس نظرة سلبية للأقباط وللمرأة.” ويرى بان أن هذا التأثير مستمر ويعبر عن قطاعات واسعة من المصريين “ويعطل الإصلاح الديني.”

لكن ناصر رضوان أحد شيوخ السلفية ومؤسس “ائتلاف الصحابة وآل البيت” يفند هذا الرأيي، قائلا “في ثورة الخامس والعشرين من يناير كنا نحمي الكنائس.” ثم يتساءل مستنكرا “هل مطالبتنا للمرأة الحجاب والتستر تعتبر إرهابا؟!” ويرى رضوان أن هذا ليس هجوما على الدعوة السلفية “بل هو محاولة لتشوية الإسلام نفسه. كل ما يقال عنا دعاوى باطلة.” ويوضح أن مرجعية الدعوة السلفية هي القرآن والسنة بفهم الصحابة.

وانكمش نشاط التيارات الإسلامية، ومن بينهم السلفيون، بشكل حاد بعد صعود الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى الحكم في عام 2014. فقد سجن الكثير من الإسلاميين ووجهت لهم اتهامات تتعلق بالانتماء لمنظمات إرهابية وتهديد الأمن العام. كما صنف القضاء جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية في عام 2015.

خوف من الدولة أم مراجعة للأفكار؟

لم يشر يعقوب لنفسه أمام المحكمة كسلفي، وأوضح “إذا قال عني شخص ما إنني سلفي، فليقل” . لكن عندما عاد القاضي وسأله عن قناعته الداخلية، رد قائلا “سلفي”. وبدا من هذه الإجابات، بالنسبة لمنتقديه، أنه يحاول المراوغة، خوفا من أن يتعرض للأذى.

“الدولة أعلنت بوضوح أنها لن تهادن أي تيار ديني في الفترة الحالية. وهذا الوضوح أدى لتراجع الكثير من التيارات الدينية. ” هكذا يقول محمد دويك الباحث في الشؤون الإسلامية. ويضيف أن الكثير من دعاة السلفية “اتخذوا من الدعوة للدين واعتلاء المنابر وسيلة للشهرة، بينما هم في الواقع أصحاب عقول سطحية”.

لكن مؤيدي يعقوب من السلفيين لا يعتبرون شهادته تملصا أو تراجعا عن أفكاره. “عندما يقول أنا لست عالما فهذا من باب التواضع” يقول ناصر رضوان، الذي يؤكد أن يعقوب استدعي للمحكم كشاهد وليس متهما في القضية، كما أنه ليس مسؤولا عمن يسيء فهم أو تفسير أفكاره. “فهو لم يدع يوما للعنف أو للخروج على الدولة، لا تلميحا ولا تصريحاً”.

رد ما قاله يعقوب في المحكمة إلى الخوف من الملاحقة الأمنية يظل وجهة نظر واحدة، فلماذا لا يكون، مثلا، نوعا من المراجعة للأفكار؟

لكن الباحث أحمد بان يستبعد فرضية المراجعة الفكرية. ويقول إن شيوخ السلفية، ومنهم يعقوب، لم تخرج منهم أي إشارة تدل على أنهم أجروا أي مراجعة لأفكارهم “وإلا خرجوا ببيانات واضحة تحدثنا عن أفكارهم الجديدة”.

نفوذ متزايد للجماعات السلفية في مصر بعد الثورة

“خطاب العلمانيين إقصائي”

ويضيف بان أن “فضيلة المراجعة غائبة عن جمهور الإسلاميين سواء أكانوا إخوانا أم سلفيين أم جهاديين. فهم يرون أن تصورهم هو التصور الأصيل والحصري عن الدين، وما عداه باطل.”

في المقابل، يقول ناصر رضوان إن مثل هذه الاتهامات إنما تأتي من أصوات مناوئة للدعوة السلفية. ويضرب مثلا بالخطاب الليبرالي العلماني الذي يراه “إقصائيا وعنصريا بشكل يفوق كل ما قد يقال عن أي تيار إسلامي”. ويضيف أن العلمانيين يريدون “التضييق عل كل أبناء التيار الإسلامي إعلاميا ومجتمعيا وحتى سياسيا”.

“سلفية تكفيرية”

عندما سئل يعقوب أمام المحكمة عما يعرف بالسلفية التكفيرية رد باقتضاب “لا أعلم”، وهو ما اعتبره متابعون أيضا محاولة لتجنب الإدلاء بأي رأي قد يوقعه في صدام مع السلطات.

رغم أن التيار السلفي، الذي تصاعد دوره في مصر في السبعينيات، كان حركة دعوية، ظهرت جماعات أخرى تبنت العنف بوضوح. فقد شهدت مصر خلال الثمانينيات والتسعينيات هجمات شرسة في مختلف أنحاء البلاد، لم تستهدف رجال الأمن فحسب بل أوقعت عدة ضحايا في صفوف المدنيين.

ويقول نصر رضوان إن هناك أشخاصا وجماعات تدعي انتماءها للدعوة السلفية لكنها بعيدة تمام عن منهج تلك الدعوة “الذي لم يحرض على العنف يوما”. ويوضح أن الدعوة أسست ما يعرف بموانع التكفير واعتمدت مبدأ “العذر بالجهل”. ويضيف أن “السلفية التفكيرية ليست بعيدة فقط عن الدعوة السلفية بل بعيدة عن الإسلام كله”.

من ناحية أخرى، يقول محمد دويك، الباحث في الشؤون الإسلامية، إن “الدعوة السلفية لديها خطاب معلن يقر بولي الأمر أو الحاكم. لكنها ترفض، من داخلها، هذا النظام لأنها تراه يحكم بغير ما أنزل الله. فهم كافرون بالدولة الحديثة.” ويضيف أن شيوخ السلفية الدعوية دائما ما كانوا يعلنون مهادنتهم للنظام الحاكم باعتباره “حاكما متغلبا”، وقد أفادهم هذا كثيرا إبان حكم الرئيس السابق حسني مبارك، على حد قوله.

السلفيون والدولة

نشاط السلفيين في المساجد وفي وسائل الإعلام تم تحت أعين الدولة وبعلمها، وكان جل هذا النشاط إبان حكم مبارك. ويرى دويك أن السلطات حينها كانت “تلعب بالنار” موضحا أنها حاولت اللعب على الفوارق الفقهية بين السلفيين والإخوان.

“السلفيون كانوا يهاجمون الإخوان والإخوان يهاجمون الدولة. فالسلطة اعتمدت مبدأ عدو عدوي صديقي. واستغلت السلفيين كسلاح شعبي لمواجهة تمدد الإخوان”. ويرى أن هذا التقارب بين السلفيين والدولة، كان “مدمرا. أفسد العقول وخرب المجتمع.”

ويقول دويك إن ما عزز من نفوذ السلفيين هو هشاشة المنظومة التعليمية والثقافية والدينية في مصر.

رأي يتفق معه لحد كبير أحمد بان الذي يرى أن إتاحة الفرصة لصعود خطاب ديني مستنير مرهون أيضا بوجود مناخ عام من الحريات. وأوضح أن الحرية تؤمن للداعية هامشا لانتقاد أي ممارسات خاطئة تقوم بها السلطة السياسية أو أفراد من المجتمع، مادام لا يخالف في ذلك القانون أو الدستور، مشيرا إلى أن هذا الهامش يعزز مصداقية الداعية ما يؤمن له تأثيرا على عموم الناس. “فلا يمكن للداعية أن يتحدث عن قضايا ويصمت عن قضايا أخرى، وإلا تصبح مصداقيته محل شك.” لكنه استدرك قائلا إن “عبرة التاريخ تقول إن أي سلطة سياسية كانت تنزعج من حضور أي داعية له تأثير. فهي تراه تهديدا لسيطرتها على الشعوب.”

دور الأزهر

تحدث كثير من الباحثين الذين تواصلنا معهم عن الجهد الذي حاولت مؤسسة الأزهر بذله لمواجهة المد السلفي. لكنهم أقروا أن هذا الجهد ما يزال غير كافٍ. وأوردوا في ذلك أسبابا عدة، منها مثلا وجود تيارات متشددة داخل الأزهر تتبنى أفكارا قديمة بحاجة لتجديد، فضلا عن معاناته ككثير من المؤسسات المصرية من البيروقراطية والترهل.

لكن عبدالمقصود باشا أستاذ الدراسات العليا بجامعة الأزهر ينفي نفيا قاطعا وجود أي أصوات متشددة داخل الأزهر ويقول “هذه ادعاءات باطلة”.

ويوضح أن الأزهر “ضحية لعدم تمكين علمائه، وترك المجال لمن يدعون باطلا أنهم سلفيون.” ويوضح أن الأزهر لا يجد الدعم الكافي ولا المنابر الإعلامية الكافية التي تتيح المجال لرجاله كي يقوموا بدورهم.

ويتساءل غاضبا “من المسؤول عن فتح قنوات يشرف عليها أناس لا يفقهون من أمور الدين إلا بضعة كتب قرأوها ؟! فهي قنوات يقوم عليها جهلة بالدين يدعون كذبا أنهم سلفيون. فعلماء الأزهر الشريف هم السلف وليس هؤلاء.”

ويوضح أن الإفتاء هو من اختصاص دار الإفتاء فحسب “فما فسد العالم الإسلامي إلا منذ أصبح الدين مرعى للجميع. والكل يفتي”.

هذا الخبر محمد حسين يعقوب: شهادة الداعية المصري أمام المحكمة تثير الجدل ظهر أولاً في Cedar News.

,